الراغب الأصفهاني
20
محاضرات الأدباء ومحاورات الشعراء والبلغاء
ولما نكب علي بن عيسى لم يطر بناحيته أحد ، فلما ردّت إليه الوزارة رأى الناس حوله ، فأنشد : ما الناس إلا مع الدنيا وصاحبها * فأينما انقلبت يوما به انقلبوا وقال عبد الملك لأصحابه : أيّكم يصف لي عامّة الناس ؟ فقال الوليد ابنة : إخوان طمع وأعداء نعم . وقيل : إذا احتاج إليك عدوك أحبّ بقاءك ، وإذا استغنى عنك وليّك هان عليه موتك . الإخوان عند الجفان كثير وعند الحقائق قليل . * ذمّ المودّة التي يجلبها الطمع كلّ مودة عقدها الطمع حلّها اليأس . وقيل : إياك ومن مودّته لك لحاجة . قال إبراهيم بن العباس : وكنت أخي كالدّهر حتى إذا نبا * نبوت فلمّا عاد عدت مع الدّهر « 1 » فلا يوم إقبالي عددتك طائلا * ولا يوم إدباري عددتك من أمري * حمد الغيرة على الإخوان سأل الرشيد رجلا عن بني أمية فقال : كانوا يتغايرون على الإخوان كتغايرهم على القيان « 2 » . وقيل : لتكن غيرتك على صديقك كغيرتك على صديقتك . وقال شاعر : وكن عالما أني أغار على أخي * وخلّي كما أنّي أغار على عرسي « 3 » ووفّر عليّ الحظّ منك فإنّني * خصصتك بالحظّ الموفّر من نفسي * ذمّ من يصاحب من أصدقائك أعداءك في كتاب الهند : من علامة الصديق أن يكون لصديقه صدوقا ولعدوه عدوا . قال شاعر : تؤاخي عدوّي ثم تزعم أنّني * صديقك إنّ الرأي منك لعازب وقيل : ليس من المروءة أن تحبّ ما يبغضه حبيبك . وقيل : لا يحبّك من يحبّ عدوّك . وقال أيوب بن جعفر للمأمون : أنا أودّك مودّة حرة وأبغض أعداءك بغضة مرّة ، فقال : إنك تقول فتحسن وتحضر فتزين وتغيب فتؤمن .
--> ( 1 ) نبا نبوّا : تجافى وتباعد . ( 2 ) القيان جمع قينة : المغنية - القينة الماشطة . ( 3 ) العرس : الزوجة - عازب : بعيد .